عشق ليان بين صفحات الماضي
عشق ليان بين صفحات الماضي
كانت ليان ترى العالم بطريقة مختلفة عن بقية من في عُمرها. بصفتها مهندسة معمارية شابة متخصصة في ترميم المباني الأثرية، لم تكن ترى الجدران المتهالكة كخراب، بل كانت تسمع همس حكاياتها وتلمس أرواح من سكنوها. عيناها البنيتان الواسعتان كانتا تلتقطان الجمال في أدق التفاصيل، وابتسامتها الهادئة كانت تضيء وجهها كلما أنجزت عملاً يعيد الحياة لمكان منسي.
جاءها العرض الأهم في مسيرتها: ترميم مكتبة تاريخية قديمة في قلب مدينة الإسكندرية، تطل على البحر مباشرة. كانت المكتبة مغلقة منذ سنوات طويلة، ويقال إن جدرانها تخفي أسراراً وحكايات لا تُحصى.
في يومها الأول، وقفت ليان أمام الباب الخشبي العتيق، تستنشق رائحة اليود المختلطة بعبق الورق القديم. حين دفعت الباب، التقت عيناها بعينيه.
كان اسمه "زين". حفيد المالك الأصلي للمكتبة، وأستاذ التاريخ الذي أخذ على عاتقه مهمة الإشراف على مشروع الترميم لضمان ألا تفقد المكتبة روحها. كان زين رجلاً هادئاً، ذا ملامح حادة تخفي وراءها قلباً دافئاً وعاطفة عميقة تجاه ماضي عائلته.
في البداية، كانت اللقاءات بينهما مليئة بالتحفظ. زين يخشى أن تطمس ليان هوية المكان بتصاميم حديثة، وليان تحاول إقناعه بأن الترميم هو إنقاذ وليس محواً.
"هذه الرفوف تحمل ذكريات جدي، لا أريد استبدالها بخشب أصم لا يملك قصة،" قال زين ذات يوم وهو يمرر أصابعه على رف متآكل. ابتسمت ليان بهدوء وأجابت: "لن نستبدلها يا زين، سنعالج جراحها. الخشب الأصيل لا يُرمى، بل يُعطى فرصة أخرى ليحمل كتباً جديدة.. تماماً كالقلوب."
توقفت أصابع زين، ونظر إليها طويلاً. في تلك اللحظة، سقط أول جدار بينهما.
مع مرور الأسابيع، تحول الخلاف المهني إلى انسجام انساب بينهما كعزف منفرد. كانا يقضيان ساعات طويلة معاً؛ هي ترسم مخططاتها وسط الأتربة، وهو يجلس على كرسي عتيق يقرأ لها مقتطفات من كتب وجدها مخبأة في الصناديق.
في إحدى الأمسيات الشتوية العاصفة، كانت الإسكندرية تغتسل بمطر غزير. انقطع التيار الكهربائي في المكتبة، فأضاءت ليان بعض الشموع التي كانت تحتفظ بها في حقيبتها. انعكس نور الشموع الذهبي على وجهها، مما جعل زين يتأملها كلوحة فنية نادرة لا يملك سوى الغرق في تفاصيلها.
أثناء ترتيبهما لبعض الأرفف في الزاوية المظلمة، تعثرت ليان بلوح خشبي مفكك في الأرضية. رفع زين اللوح ليجدا تحته صندوقاً معدنياً صغيراً. فتحاه معاً، ليجدا بداخله رزمة من الرسائل المربوطة بشريط أحمر باهت. كانت رسائل حب كتبها جد زين لجدته عندما كانا في مقتبل العمر.
جلسا معاً على الأرض، متجاورين حتى كادت أكتافهما تتلامس. بدأ زين يقرأ الرسائل بصوته الرخيم. كانت كلمات الجد تفيض بعشق نقي، يتحدث فيها عن كيف أن حبها هو الملاذ الذي يحميه من قسوة الأيام.
انتهى زين من قراءة الرسالة الأخيرة، وعم صمت مهيب لا يقطعه سوى صوت ارتطام أمواج البحر الغاضبة بالجدار الخارجي وصوت أنفاسهما. التفت زين نحو ليان، كانت الدموع تترقرق في عينيها تأثراً.
رفع يده ببطء، ومسح دمعة شاردة على وجنتها بأبهامه. ارتجفت ليان، ليس من برد الشتاء، بل من الدفء الذي سرى من لمسته إلى قلبها.
"لطالما قرأت عن الحب في هذه الكتب،" همس زين وعيناه لا تفارقان عينيها، "ولكنني لم أفهمه حقاً إلا عندما رأيت كيف تلمسين هذه الجدران الباردة فتمنحينها الحياة.. وكيف تسللتِ إلى حياتي التي كانت تشبه هذه المكتبة المغلقة، فأعدتِ ترتيب كل شيء فيها."
تسارعت نبضات ليان، وشعرت بأن العالم كله قد اختزل في هذه الغرفة المضاءة بالشموع. "زين..." همست باسمه بصوت متقطع.
أمسك زين بيديها الملطختين بغبار العمل، وقبّلهما برقة بالغة وقال: "لم أكن أخشى على المكتبة منكِ يا ليان، كنت أخشى على نفسي. كنت أعلم أن من تستطيع إعادة بناء مكان منهار بابتسامة، يمكنها بسهولة أن تحتل قلبي.. وقد فعلتِ."
ابتسمت ليان ابتسامة أضاءت عتمة المكان، واقتربت منه أكثر، مسندة رأسها على كتفه.
في ذلك المساء الشتوي، وسط رائحة الكتب القديمة وصوت المطر، لم تُعد ليان ترميم جدران المكتبة فحسب، بل رممت روح زين. وبدأت بين جدران ذلك المكان العتيق قصة عشق جديدة، قصة لن تُخبأ في صندوق معدني تحت الأرضية، بل ستُكتب حروفها كل يوم في عيني ليان وزين.
💥 عناوين الحلقات:
- الباب الذي لا يُفتح
- أول خلا
- رسائل لا تُقرأ
- الرسالة التي كسرت كل شيء
- العنوان الذي لا يجب الوصول إليه
- الرسالة الناقصة
- بين الحقيقة والقلب
- قرار الهدم
- ما لم يُكتب
- عشق لا يُرمم (النهاية)

تعليقات
إرسال تعليق