عشق ليان ( الباب الذي لا يُفتح)
عشق ليان
الباب الذي لا يُفتح
لم تكن ليان تخشى الأماكن القديمة، بل كانت تخشى الأماكن التي فقدت روحها.
وقفت أمام باب المكتبة العتيق، تتأمله بصمت، وكأنها تحاول أن تستأذن من الماضي قبل أن تدخله. كان الخشب متآكلًا، لكنه صامد… مثل الذكريات التي ترفض أن تموت.
امتدت يدها ببطء، ولمست المقبض البارد.
ترددت لثانية.
ثم دفعت الباب.
صريرٌ طويل شقّ الصمت، كأنه اعتراض متأخر من المكان نفسه.
دخلت.
رائحة الورق القديم امتزجت برطوبة البحر، لتصنع شعورًا غريبًا بين الحنين والحزن. ضوء خافت تسلل من النوافذ العالية، كاشفًا عن ذرات غبار ترقص في الهواء، وكأن الزمن هنا لم يتوقف… بل تباطأ فقط.
خطت خطوة… ثم أخرى.
وفجأة—
"توقفي."
تجمدت ليان في مكانها.
لم يكن الصوت عاليًا، لكنه كان حادًا بما يكفي ليوقف الزمن للحظة.
استدارت ببطء.
كان هناك.
يقف بين الرفوف.
رجل لم يكن يشبه هذا المكان… لكنه في الوقت ذاته، بدا وكأنه جزء منه.
"من سمح لكِ بالدخول؟" قال بهدوء، وعيناه مثبتتان عليها.
رفعت ليان حاجبها قليلًا، لكنها لم تتراجع.
"ومن سمح لك بالبقاء؟" ردت بثقة.
صمت قصير.
ثم تقدم خطوة نحوها.
"أنا زين. هذه المكتبة… كانت لعائلتي."
"وكانت؟" كررت ليان، بنبرة خفيفة لكنها لامست شيئًا ما داخله.
توقف.
للحظة فقط، تغيرت ملامحه.
ثم قال: "وما زالت."
ابتسمت ليان ابتسامة خفيفة، وهي تفتح حقيبتها وتخرج بعض الأوراق.
"ليان. مهندسة الترميم المسؤولة عن المشروع."
نظرت إليه مباشرة.
"ويبدو أننا سنعمل معًا."
لم يعجبه ذلك.
كان واضحًا.
نظر حوله، ثم عاد بعينيه إليها.
"أنا لا أريد هذا المشروع."
قالها ببساطة… لكنها كانت ثقيلة.
"المكان بخير كما هو."
ضحكت ليان بخفة.
"بخير؟"
أشارت إلى رف مائل.
"هذا الرف على وشك السقوط."
ثم إلى السقف.
"وهذا قد ينهار فوق رأسك في أي لحظة."
اقتربت منه خطوة.
"الترميم لا يقتل الماضي… بل ينقذه."
نظر إليها طويلًا.
كأنها قالت شيئًا لم يكن مستعدًا لسماعه.
لكن بدل أن يرد—
استدار.
"سأبقى هنا لأتأكد أنكِ لا تدمرينه."
رفعت كتفيها بلا مبالاة.
"ابقَ."
ثم أضافت بابتسامة صغيرة:
"قد تتعلم شيئًا."
مرّت الأيام الأولى ببطء.
كانت ليان تعمل وسط الغبار، ترسم وتفحص وتدوّن، بينما كان زين يراقبها بصمت… كحارس لا يثق في القادم الجديد.
لكن شيئًا ما بدأ يتغير.
لم يكن واضحًا.
ولا سريعًا.
لكن—
في كل مرة كانت ليان تلمس جدارًا بعناية، أو ترفع كتابًا وكأنه كنز… كان زين يلاحظ.
وفي إحدى اللحظات، عندما سقط غبار كثيف من السقف فجأة—
سعلت ليان بشدة.
وقبل أن تدرك ما يحدث، كان زين بجانبها.
"أنتِ بخير؟"
نظرت إليه، متفاجئة من قربه.
"أنا… بخير."
لكنه لم يبتعد فورًا.
كان ينظر إليها بطريقة مختلفة.
وكأن شيئًا داخله… بدأ يلين.
في تلك الليلة، وبعد أن غادرت ليان—
بقي زين وحده في المكتبة.
تجول بين الرفوف ببطء.
ثم توقف فجأة.
كان هناك لوح خشبي في الأرض… لم يلاحظه من قبل.
انحنى.
لمسه.
ثم حاول تحريكه.
تحرك.
تجمد.
نظر حوله… كأن أحدًا قد يراه.
ثم رفعه قليلًا.
ظلام.
لكن—
كان هناك شيء بالداخل.
صندوق.
أغلق اللوح بسرعة، وكأن ما رآه لم يكن مجرد صدفة… بل بداية شيء لم يكن مستعدًا له.
وفي الخارج…
كانت ليان تسير تحت المطر الخفيف، دون أن تعلم أن المكان الذي دخلته اليوم… لم يكن مجرد مشروع.
بل كان بداية قصة…
ستغير كل شيء.
الجزء السابق

تعليقات
إرسال تعليق