عشق ليان ( رسائل لا تقرأ )
عشق ليان
رسائل لا تقرأ
ارتفع اللوح الخشبي ببطء…
وكأن المكان نفسه يحبس أنفاسه.
ظهر الصندوق المعدني، مغطى بطبقة خفيفة من الغبار، لكنه لم يكن قديمًا بالقدر الذي توقعته ليان.
"ده… مش قديم قوي،" همست.
لكن زين لم يرد.
كان ينظر إليه وكأنه يعرفه… أو يخشاه.
مدت ليان يدها.
توقفت للحظة.
ثم فتحت الصندوق.
صوت خفيف… كأنه تنهد طويل خرج من الماضي.
في الداخل—
رُزمة من الرسائل.
مربوطة بشريط أحمر باهت.
لكنها لم تكن صفراء بالكامل…
بعضها بدا أحدث.
"إيه ده؟" قالت بدهشة.
جلس زين ببطء على الأرض، وكأن قدميه لم تعودا تحملانه.
"دي…"
توقف.
بلع كلماته.
"دي رسائل جدي."
نظرت إليه.
"بس… مش كلها قديمة."
مدت يدها وأمسكت أول رسالة.
فتحتها بحذر.
وبدأت تقرأ بصوت منخفض:
"إلى حبيبتي… التي لا يعرف قلبي طريقًا إلا إليها…"
سكتت.
ابتسمت بخفة.
"واضح إن جدك كان رومانسي جدًا."
لكن زين لم يبتسم.
"كمّلي."
نظرت إليه للحظة…
ثم تابعت القراءة.
كل كلمة كانت دافئة.
صادقة.
حب بسيط… لكنه عميق.
جلست بجانبه دون أن تشعر.
قريبة.
قريبة جدًا.
وبدأت تقرأ بصوت أعلى قليلًا.
ومع كل رسالة—
كان شيء يتغير.
في المكان…
وفيهما.
—
"كنتِ دائمًا ملجأي… حتى عندما كان العالم ضدي…"
توقفت ليان.
شعرت بشيء في صدرها.
نظرت إلى زين.
كان يستمع… لكن عينيه لم تكونا على الرسائل.
كان ينظر إليها.
"كمّلي،" قال بصوت أخفض.
تابعت.
لكن صوتها أصبح أهدأ…
أدفأ.
كأن الكلمات لم تعد تخص الماضي فقط.
—
مع مرور الوقت، نسيا كل شيء.
المطر.
الوقت.
حتى الخلاف بينهما.
أصبحت الرسائل عالمًا صغيرًا…
جمعهما داخله.
—
"أنا لا أخاف من الموت… بقدر خوفي من يوم أعيش فيه بدونك."
صمتت.
هذه المرة لم تكمل.
رفعت عينيها ببطء.
كان زين قريبًا.
قريبًا جدًا.
لم يكن بينهما سوى أنفاس دافئة مختلطة برائحة الورق القديم.
"الكلام ده…" همست، "مش عادي."
رد بهدوء:
"كان بيحبها."
نظرت إليه.
"واضح."
سكتت لحظة.
ثم أضافت بصوت أخف:
"في حد ممكن يحب كده دلوقتي؟"
لم يجب فورًا.
لكن نظرته تغيرت.
أعمق.
أبطأ.
"يمكن…"
قالها وهو ينظر مباشرة في عينيها.
"لو لقى الشخص الصح."
تسارعت نبضات ليان.
لم تستطع الرد.
ولا الابتعاد.
فقط—
ظلت تنظر إليه.
—
في تلك اللحظة…
لم يكن هناك ماضٍ.
ولا مكتبة.
ولا مشروع.
كان هناك فقط…
هو وهي.
—
مد زين يده ببطء.
لمس طرف الرسالة بين يديها…
لكن أصابعه لامست أصابعها.
تجمدت.
لم تسحب يدها.
ولا هو فعل.
لحظة صغيرة…
لكنها كانت كفيلة أن تقول كل شيء.
—
"ليان…"
قال اسمها لأول مرة بهذه الطريقة.
هادئ…
وقريب.
وكأنه لم ينطقه من قبل.
رفعت عينيها إليه.
"نعم؟"
لكنها لم تكن مستعدة لما سيقوله.
ولا هو…
—
فجأة—
توقف.
شد يده بسرعة.
وكأن الواقع عاد دفعة واحدة.
نظر إلى الرسائل.
ثم إلى الصندوق.
"استني."
نبرته تغيرت.
أصبحت حادة.
مقلقة.
"في حاجة غلط."
عبست ليان.
"إيه؟"
مد يده بسرعة وأخذ رسالة من الأسفل.
فتحها.
قرأ سطرًا واحدًا فقط…
ثم تجمد.
"إيه اللي حصل؟" سألت بقلق.
لم يرد.
ناولها الرسالة.
أمسكتها.
وقرأت:
"لو وصلتِ لهذه الرسالة… اعرفي أن الحقيقة لم تُحكَ كاملة."
توقفت.
نظرت إليه.
"حقيقة إيه؟"
قال ببطء:
"دي… مش من جدي."
صمت ثقيل.
"أمال من مين؟"
نظر إلى الصندوق.
ثم قال:
"دي مكتوبة بخط أبويا."
شعرت ليان بقشعريرة.
"بس… ليه يحطها هنا؟"
لم يجب.
لكن عينيه كانت مليئة بشيء جديد.
ليس حبًا.
ولا غضبًا.
شيء أخطر—
شك.
—
في الخارج…
اشتد المطر.
وضربت الأمواج الجدار بقوة.
وكأن البحر نفسه…
يحاول أن يحذرهم.
—
داخل المكتبة…
لم تعد الرسائل مجرد قصة حب.
بل أصبحت بداية لغز.
لغز…
قد يغير كل شيء بينهما.
أو—
يكشف شيئًا…
كان من الأفضل أن يظل مدفونًا.

تعليقات
إرسال تعليق